حاجة الأقلام الأدبية إلى إيجاد رأي نقدي موحد في ظل فقدان المعيار النقدي
أن المفهوم الشائع بين الأدباء والنقاد لتعريف النقد هو : (( تقويم النص ، ومحاولة البحث في مكامن الجمال والقبح ، والسلامة والخطأ ، في النص الأدبي ، شكلا ومضمونا))1
فوظيفة الناقد الادبي - اذن - هي تقويم النص ، وهذا التقويم يقوم على اسس علمية ، وطرق خاصة بالبحث ، وصعبة جدا ، بحيث تميز الناقد من غير الناقد اولا ، والناقد الجيد من الغير الجيد ثانيا ..
ومن المؤسف ان تسود الاوساط الادبية - وخصوصا - الاقلام الجديدة ، ظاهرة خطيرة جدا ، وهي فقدان المعيار النقدي العلمي ، فصار لكل من هب ودب ان يمزق من النصوص النقدي ما يشاء ، بدون أي سلوب نقدي او ادبي علمي صحيح .. تحت ذرائع كثيرة منها : ان على صاحب النص ان يتقبل النقد البناء !!!؟ .. ومنها ان الناشئة عليهم التزام الصمت ليتعلموا ، وغيرذلك كثير .. مما جعل صاحب النص او الكاتب الجديد ، يلتزم جانب الصمت فعلا ، امام هذا الالوان المبهمة من الكلام ، دون ان يجد طريقة ادبية علمية مقنعة للدفاع عن نفسه ..
وانا قد حددت المشكلة في هذا الموضوع .. وهي فقدان المعيار النقدي ، لكل من الطرفين ، والذي اعزوه الى فقدان الثقافة النقدية ، التي تنشا في المجتمع الادبي ، فتربي الاقلام الادبية اثناء دخولهم العالم الادبي ..
وان قلت : ان تميز النص السليم من غير السليم ، ينبع من صفاء النفس الذواقة ، وسموها ، وارتفاع درجة حساسيتها ، وتاثرها بالجمال الادبي ، ومعرفة ماتحتويه المفردات من ايقاع موسيقي يحرك الوجدان من الداخل ، مما يجعلة قادرا على تمييز المفردة الجيدة او السيئة ، واستلالها من بين الاسطر ..
اقول : من المعروف ان الفطرة قابلة للتلوث على اية حال ، فالفطرة الادبية او السليقة ، ممكن ان تتلوث ايضا ، وهذا ما نلاحظه بوضوح شديد في الوقت الحاضر ، ونحن نواجه انفتاحا ادبيا كبيرا ، بعد ارتفاع الموانع والقيود الادبية ، التي كانت موجودة في السابق ، بالاضافة الى التسهيلات التي تقدمها وسائل الاعلام واهمها الانترنت ( وانا اتحدث عن نفسي اولا ، وعن اخوتي واحبتي الاعزاء في هذا المجال ثانيا ) .. فاننا نعاني من فقدان الذوق الادبي الصحيح ، الا ماشذ عن القاعدة - ولا يقاس على الشاذ طبعا – كما الاحظ افتقار النتاجات الادبية الى جهات النقد البناء التي تقوم الفرد ، وتعرفه بمستواه الادبي ، وتشيد بما يمتلكه من ذوق ادبي ، ومستوى علمي في هذا المجال ، بعبارة اخرى : تفتقر الحركة الادبية او النتاج الادبي الى موجّهٍ او مرشد ادبي حقيقي ، وارى ان اسباب ذلك كثيرة ، منها :
1. فقدان الناقد الحقيقي ، الذي تلجا اليه الاقلام الجديدة ، وهذا وهذا محور المشكلة.
2. اختلاف المنظار النقدي بين النقاد ، فلو نظر احدهم للموضوع بمنظار معين ، ونظر الاخر بمنظار اخر ، فان النتيجة تكون مختلفة بالتاكيد ، مما يشوش ذهن الكاتب ، او صاحب النتاج الادبي ، وبالتالي ، يسبب له نفورا من عملية النقد البناء ، معتبرا اياه حالة نسبية ، غير متفق عليها بين النقاد اصلا .
3. فقدان التجربة الادبية ، او قلتها ومحدوديتها لدى المتصدين للعملية النقدية .. وهذا الامر ناتج من قلة النشاطات الادبية الحقيقية على المستوى النوعي ، والنموذجي ، لا على المستوى الكمي .. وكذلك فدان النشاطات الادبي في القطاعات التربوية التي اهملت – مؤخرا – ابداعات الاطفال الادبية ، وتركت وظيفة تنمية قابليات الطفولة ، فخرج لنا جيل فاقد للاحساس الادبي والذوق الفني.. بل ولا يعير للكتابة او التعبيرعن الذات او المحيط الجارجي ادنى اهتمام ، بسبب التهاون في درس الانشاء اوالتعبير عند الاطفال ، وعدم اعطائه اهمية كافية مما يؤدي الى نسيان موضوع التعبير تماما .. بل لا ابالغ ان قلت انه من الندرة ان تجد من التربويين من يميل الى التعبير بصورة علمية جادة ، تنعكس على واقعة التدريسي او التعليمي مع التلاميذ ، في اي مرحلة كانوا .. وقد عشنا تجاربا بسيطة ربما تصلح كشاهد للموضوع وهو ان المعلم او المدرس اذا كان اديبا فالاحتمال كبير ان يكون احد الطلبة اديبا كاستاذه بفعل عامل التقليد لدى الاطفال بصورة فطرية ، وكذلك فيما لو كان المعلم خطاطا او لاعبا في احدى الاندية الرياضية او انسانا منحرفا او سياسيا وما الى ذلك من انخراطات الاساتذة في مجالات الحياة المتعددة فتاثيرها محتمل مهما كان نوع ودرجة التاثير .
4. الانحياز الادبي لدى الناقد ، و فقدان روح التجرد من المؤثرات الداخلية ( النفسية )، اوالخارجية ( الاجتماعية ) ، التي تعتبر من افات البحث العلمي . فقد يكون الناقد غيرَ متوافق مع الكاتب في موضوع معين ، خارج مجال المضوع النقدي اصلا .. لكننا نرى الناقد يضع ذلك الخلاف نصب عينه ، عندما يقوم بالعملية النقدية ، فيكون الحكم نابعا من المؤثرات النفسية ، فيما يتعلق بالعلاقات الخارجية ( الاجتماعية وغيرها ) .
واخير وليس اخرا ، فانني اعتقد ان من المهم نشر الثقافة النقدية بين اوساط المجتمع عموما ، والمنساقين الى المجال الادبي خصوصا ، من خلال تسليط الاضواء على كبار النقاد ، وفسح المجال لهم ليدخلوا مسرح الاحداث الادبية العامة ، بدلا من تسليط الضوء على غيرهم ، ممن هم اقل منهم خبرة ، واقل كفاءة ، ان لم تكن خبرتهم او كفاءتهم معدومة اصلا ، وانا ادعو ايضا الى ما اسميه بـ ( الراي النقدي الموحد ) تمثله حركة ادبية ثقافية مستقلة ، لها مكانها ومكانتها ، بحيث يمكن ارسال النتاجات اليها واخذ الراي العلمي الموحد منها ، وهذا - بالتاكيد - سوف يلم شمل هذا الجيل الادبي الرائع ، ويحتضن الكفاءات والاقلام الادبية الجديدة ، ولا يضيعها لامور لا تسمن ولا تغني من جوع ..
وما دوري هنا الا لاعكس معاناة المحرومين من الاقلام الشابة ، التي طالما تمنت ان تعيش حرية التعبير عن همومها ، وتسطر معاناتها على الورق ، بشتى وسائل التعبير ، لذا اناشد المختصين او من تتاح لهم هذه الفرصة العظيمة ، ان لا يقصروا في هذا المجال ، من اجل النهوض بواقع الحركة الادبية في بلاد الرافدين ، بلاد سومر في جنوب العراق ، حيث بدات اول تاريخ انساني على وجه الكرة الارضية ، واول مسكة للقلم .. وسوف لن تقف ابدا بجهود الخيرين من ابناء هذا البلد الجريح ، الذي يحتاج الى جميع ابنائه العاملين ، ولكم مني اطيب التمنيات ..
النقد بين عدم الإنصاف وهروب الآخـــر …
ـــــــــــــــــ نظم ومعاير ــــــــــــــــــ
… ثمة معايير ونظم وموازين تجتمع لتكوّن عملية تقيميّة تسمى " النقد " وهذه العملية لا تقترن بأي مؤثرات أو تأثيرات ولا تقتصر على شخصية الناقد إنما هي نظرات متقابلة تضع نصاً ما وتبين محاسنه وعيوبه وتطرح طرق معالجتها مؤيدة ذلك بالأدلة وما يؤكده ،.
هنالك عدة عوامل تتجلى لك عند متابعتك لعملية النقد هناك الأهواء والميول وعدم الإنصاف وهنالك هروب من قبل الطرف الآخر الذي يخضع نصه لتعاليم النقد ، هذا الهروب ينم عن أسباب عدة حيث إن كاتب النص يأخذه الغرور بما يكتب ويضع بعض الشهادات كمؤيد له ويتولد لديه انغلاق تجاه الآخر،أما الناقد فيكون في موقف لا يرَ فيه سبيل لبيان رأيه في النص " المغرور"، لكن هناك شيء مهم يستحق الوقوف علية وهو الأهواء والميول في جدلية النقد واللانقد ، فحين تعرف النقد ووظيفته فوَظيفة النقد النظر في الأعماقِ ، ودراسة الأبعاد والمكونات وتحليل العناصر ذات العلاقة كما عُرف النقد ومصطلح النقد بأنه فــَن التمييز بين الأساليب أو هو الكشف عن ميزات الأعمال الأدبية وعيوبها ، ومن دراسة النصوص الأدبية وتقويمها ، كما أن كلمة النقد تعني بالغة تمييز الدراهم و إخراج الزائف منها وتأتى تبعا لذلك بمعنى الكشف عن المحاسن والمساوئ*
عموما فليس القصد هو التعريف بالنقد والشرح عن المعنى بقدر ما أريد أن أبين " الأهواء والميول التي تحصل في" النقد " . فالنقد يمثل الميزان المعادل والحاسم بمعايره في تحديد ماهية النص أو الأطروحة وتناولها بطريقة النقد من كل جوانبها وتحتاج عملية تقويم النص إلى رأي موحد بين النقاد وقد تختلف بعض الأشياء الشكلية في النص حسب مزاج الناقد وذوقه الخاص ، لكن تبقى الأسس العامة في النص ذات قدسية وخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها للناقد مهما كان .
وقد برزت حالة الأهواء والميول وعدم صواب الري عند إعطائه للنص وتجتمع عدة عوامل وتكون السبب في عدم صواب رأي الناقد والتي منها :-
1. عدم اطلاع الناقد على الأسس التي يقوم عليها المجالات الأدبية .
2. قلة التجربة في المجال النقدي والأدبي .
3. طغيان الجانب العاطفي اثنا عملية النقد أو التقيّم .
4. بروز روح المجاملة والمهاجمة لدى شخصية الناقد.
5. نقص المناعة الثقافية والأدبية المكتسبة عند لناقد مما سبب فيما بعد مرض خطير اسمه نقص المناعة الثقافية المكتسبة " إيدز ثقافي "
وهذه الأسباب الخمسة تنعكس سلبا على العملية النقدية وتشكل مؤثر خطير يسهم في إخماد جذوة الطاقات الشابة التي تكاد لا تميز بَيْنَ لُجة الآراء وتفاوتها وتضيع بَيْنَ الاختلاف .
وهنالك عدة قصص واقعية حول الظلم الذي تعرضت له هذه الأقلام بسبب عدم معرفة الناقد .وسأروى قصتان إحداهما من الواقع المحلي والأخرى عالمية .
القصة الأولى .
يروي لي أحد الأصدقاء يقول ( عندما كنت أنا في المرحلة الإعدادية من الدراسة في تلك الفترة كنت اكتب الشعر تواصل وكذلك أقرا العديد من الكتب والدواوين .. ذات مرة عرضت على أحد الأساتذة الذي ظننت به ما لم أجده فيما بعد إذ كنت اعتقد انهُ من المطلعين في المجال النقدي .. عرضت عليه أحد النصوص التي كَتَبتها .. لكن فوجئت بإجابته وهو ضاحكا " أو هذا هو الشعر .. ؟
حينها خجلت وخابت كل الآمال بالكتابة وقلت له حسناً.. أنها محاولة ..بعدها فكرت في خطة اكشف فيها نقطة الضعف في النص أو في الناقد . عدت بعد أيام فعرضت عليه نصاً من أروع كتاباتي وقلت له هذا نصا للشاعر الفُلاني _ أحد الشعراء المعروفين _ قال لي بجواب كنت أشبه بالمتأكد منه .. هذا الشعر حقا وليس ما جئت به أمس
القصة الثانية
في مطلع الخمسينات من القرن الماضي ظهرت رواية إيطالية اسمها " الفهد " من تأليف ( تومازي دي لا ميدوز ) وهذا الكاتب مات قبل روايته بأشهر.
لَمْ يكن هذا المؤلف معروفاً في الأوساط الأدبية أو لدى القراء إذ لم يكن قد نشرنا شيئا أو اصدر مطبوعاً إلا هذه الرواية التي لم تر النور في حياته . لكنها وهو يائس من رؤيتها مطبوعة بعد لا سيما بعض مقالاته ومواضيع رفضتها الصحف والمجلات بلا استثناء فزاده ذلك يأس من قبول إحدى دور النشر لروايته .
وقد كان محقا في يأسه لكونها لا ترتقي إلى مستوى الأعمال الإبداعية المهمة لكن ما حدث بعد وفاته ان أحد النقاد الإيطاليين واسمه ( جورجيوساني ) علم بأمر هذا الكاتب فاتصل بأرملته وطلب منها المخطوطة لقراءتها وحين قراها بعناية الناقد المخلص . وجد فيها دلالات و أبعاد فكــرية هامة جديرة بالاهتمام والقراءة فكتب فيها مقدمة منوها لها كاشفا عن روح الإنسانية فيها ثم دفع بالمخطوطة إلى الناشر (ولتربدللي ) في ميلانو لتظهر – الرواية في زمن وجيز وتكون بأيدي القراء الذين لم يسمعوا بهذا المؤلف من قبل ولكن ما إن مضى على ظهورها شهرا واحدا حتى بلغت طباعتها ثلاث طبعات أما في الشهور الستة اللاحقة فقد بلغ معـــــدل طباعتها ثماني عشر طبعة وترجمت إلى اللغات الحية وظهرت في فيلم سينمائي **
لا حظ .... في هاتين القصتين النموذج الذي يتضح لكَ حول السلبيات الكثيرة والتي تحصل جراء عملية النقد بسبب الأسباب الخمسة التي ذكرتها في البداية وعدم الإنصاف والإخلاص وغياب الوعي الكامل والتجربة الحية من واقع الأدب والإدراك الكامل ووضع وتوفير كافة الأدوات النقدية اللازمة لدى الناقد في عملية النقد ..كما يتطلب دراسة واقعية للمحيط الذي يعيشه الكاتب والبحث عن أسباب الكتابة والدوافع التي تكمن خلفها بالإضافة إلى دراسة ذات الكاتب والعوامل والمؤثرات والتداخلات في شخصيته ودراستها سايكلوجيا وتحليلها هي وماهية النص الذي كتب حينها تكون الصورة قد اتضحت للناقد وبات على قرب من وينبغي على الناقد إن يقف موقفا بعيدا عن المجاملة والأهواء والميول ويكون رأيه بعيدا عن تأثيرات البعد الخارجي .
وتسبب الأهواء والميول في النقد عدة أمور أشرنا البعض منها في بداية المقال والأبرز الإسهام في إخماد جذوة الطاقة الواعدة والتقليل من عزيمتها خصوصا إذا كانت الطاقة شاه ولا تمتلك من الممارسة في مجال الأدب الكثير كما تسبب الظلم بحق الأعمال الأدبية التي بذل كاتبوها الجهد الكثير من اجلها خصوصا إذا قيمت في مسالة تمييز أو تقيم وترشيح وانتقاء فإنها تجحف بعضا وتسبب الظلم إليه لجهل الناقد بخصائص هذا الجنس الأدبي أو ذاك وقلة معرفته فانعكست سلبا على الاقلام التي تنشد الإبداع والتحليق في فضائه ورفد الثقافة والأدب بالمزيد سأطلق حملة عبر نشرة الأديب التي أترأس تحريرها حملة من اجل إنصاف المبدع وعدم جحوده من اجل توحيد الرأي النقدي وعدم فقدان معياره ..
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ